hada hoda

رضا إخلاص محبة
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حكم استثمار أموال الزكاة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
abouyasser
Admin
avatar

المساهمات : 163
تاريخ التسجيل : 23/03/2011

مُساهمةموضوع: حكم استثمار أموال الزكاة   الأحد ديسمبر 11, 2011 11:10 am

بسم الله الرحمن الرحيم

حكم استثمار أموال الزكاة (3-4)
د.محمد عثمان شبير
11 - 8 - 2009

تكلمنا في المرة السابقة عن حكم استثمار أموال الزكاة من قبل المستحقين، وعن حكم استثمار أموال الزكاة من قبل المالك، واليوم بإذن الله نتكلم عن حكم استثمار أموال الزكاة من قبل الإمام أو من ينوب عنه.

المطلب الثالث: حكم استثمار أموال الزكاة من قبل الإمام أو من ينوب عنه:

إذا وصلت أموال الزكاة إلى يد الإمام أو نائبه فهل يجوز له استثمارها في مشاريع ذات ريع أم لا؟

أولًا: آراء العلماء المعاصرين في استثمار الإمام لأموال الزكاة:

اختلف العلماء المعاصرون في حكم استثمار الإمام لأموال الزكاة على قولين:

القول الأول: يرى بعض العلماء عدم جواز استثمار أموال الزكاة من قبل الإمام أو من ينوب عنه، وممن ذهب إلى ذلك الدكتور وهبه الزحيلي، والدكتور عبد الله علوان، والدكتور محمد عطا السيد، والشيخ محمد تقي العثماني [مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الثالث، (1/335)، أحكام الزكاة على ضوء المذاهب الأربعة، عبد الله علوان، ص(97)].

القول الثاني: يرى كثير من العلماء المعاصرين جواز استثمار أموال الزكاة في مشاريع استثمارية سواء فاضت الزكاة أو لا؛ وممن ذهب إلى هذا القول الأستاذ مصطفى الزرقا، والدكتور يوسف القرضاوي، والشيخ عبد الفتاح أبو غدة، والدكتور عبد العزيز الخياط، والدكتور عبد السلام العبادي، والدكتور محمد صالح الفرفور، والدكتور حسن عبد الله الأمين، والدكتور محمد فاروق النبهان.

قال الأستاذ مصطفى الزرقا: (الاستثمار الذي هو تنمية المال ... أرى أن كل طرق الاستثمار بمعنى أن يوضع في طريق ينمو به مال الزكاة، فيصبح الواحد اثنين والاثنان ثلاثة …، على شرط أن تمارسها أيد أمينة، وأساليب وتحفظات مأمونة كل هذا جائز، سواء أكان عن طريق تجارة أم عن طريق الصناعة أم عن طريق أي شيء يمكن أن يستثمر) [مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الثالث، (1/404)].

وقال الدكتور يوسف القرضاوي: "بناء على هذا المذهب ـ أي مذهب إناء الفقير من الزكاة ـ تستطيع مؤسسة الزكاة إذا كثرت مواردها واتسعت حصيلتها أن تنشأ مؤسسات تجارية أو نحو ذلك من المشروعات الإنتاجية الاستغلالية وتملكها للفقراء كلها أو بعضها، لتدر عليهم دخلا دوريًّا يقوم بكفايتهم كاملة، ولا تجعل لهم الحق في بيعها ونقل ملكيتها لتظل شبه موقوفة عليهم) [آثار الزكاة في الأفراد والمجتمعات، القرضاوي، ص(45)].

وقال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: (يجوز استثمار هذه الأموال "أموال الزكاة" بما يعود على المجاهدين الأفغان بالخير بهذه الطريقة المشروعة "المرابحة" وأنتم وكلاء في القبض، فيمكن أن تكونوا وكلاء في التصرف، وأنتم في مقام المودع إذا أذن له في التصرف) [فتوى له منشورة في مجلة المجتمع الكويتية، عدد (793)، ص(34)].

وقال الدكتور محمد فاروق النبهان: "اقترح أن تنشأ وزارة خاصة يطلق عليها اسم وزارة الزكاة، وتكون مهمتها جباية الأموال من الأغنياء، وتوزيعها على مستحقيها من الفقراء ... إليهم دون غيرهم) [الاتحاد الجماعي في التشريع الاقتصادي الإسلامي، محمد فاروق النبهان، ص(293،488)].

وقال الدكتور عبد العزيز الخياط عميد كلية الشريعة بالجامعة الأردنية سابقًا: (أرى ضرورة توظيف واستثمار بعض أموال الزكوات في المشروعات الخيرية والصناعية والتجارية لصالح جهات الاستحقاق) [توظيف أموال الزكاة في مشاريع ذات ريع بلا تمليك فردي للمستحق، الخياط، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الثالث، (1/371)، والزكاة وتطبيقاتها واستثمارها، الخياط ، ص(58)].

وقال الدكتور محمد صالح الفرفور: (أرى جواز استثمار أموال الزكاة استحسانًا خلافًا للقياس للضرورة أو الحاجة بإشراف ولي الأمر أو من يفوضه كالقاضي) [فتوى فقيهة في بحث: توظيف أموال الزكاة مع عدم التمليك للمستحق، د.الفرفور، مجلة الفقه الإسلامي، العدد الثالث، (1/358)].

وقد أفتى بجواز استثمار أموال الزكاة كثير من العلماء ولجان الفتوى في العالم الإسلامي.

ثانيًا: الأدلة:

يستند كل قول من القولين السابقين إلى حجج وأدلة، وفيما يلي أدلة كل فريق:

1- أدلة القائلين بعدم جواز الاستثمار:

استدل القائلون بعدم جواز استثمار أموال الزكاة بما يلي:

أ - استثمار أموال الزكاة في مشاريع صناعية أو زراعية أو تجارية يؤدي إلى تأخير توصيل الزكاة إلى المستحقين، إذ أن إنفاقها في تلك المشاريع يؤدي إلى انتظار الأرباح المترتبة عليها، وهذا مخالف لما عليه جمهور العلماء من أن الزكاة تجب على الفور [أحكام الزكاة، عبد الله علوان، ص(97)].

ب - إن استثمار أموال الزكاة يعرضها إلى الخسارة والضياع؛ لأن التجارة إما ربح وإما خسارة [بحث: "توظيف أموال الزكاة"، آدم شيخ عبد الله، منشور في مجلة مجمع الفقه الإسلامي، عدد3، ج1، ص(354)].

ت - إن استثمار أموال الزكاة يعرضها إلى إنفاق أكثرها في الأعمال الإدارية [بحث: "توظيف أموال الزكاة"، آدم شيخ عبد الله، منشور في مجلة مجمع الفقه الإسلامي، عدد3، ج1، ص(354)].

ث - إن استثمار أموال الزكاة يؤدي إلى عدم تملك الأفراد لها تمليكًا فرديًّا، وهذا مخالف لما عليه جمهور الفقهاء من اشتراط التمليك في أداء الزكاة؛ لأن الله تعالى أضاف الصدقات إلى المستحقين في آية الصدقات بلام الملك [مجلة مجمع الفقه الإسلامي، عدد3، ج1، ص(388-406)].

ج - لأن يد الإمام أو من ينوب عنه على الزكاة يد أمانة لا تصرف واستثمار [بحث: "توظيف أموال الزكاة"، آدم شيخ عبد الله، منشور في مجلة مجمع الفقه الإسلامي، عدد3، ج1، ص(354)].

2- أدلة القائلين بجواز الاستثمار:

استدل القائلون بجواز استثمار أموال الزكاة بما يلي:

(أ) لأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين كانوا يستثمرون أموال الصدقات من إبل وبقر وغنم، فقد كان لتلك الحيوانات أماكن خاصة للحفظ والرعي والدر والنسل، كما كان لها رعاة يرعونها ويشرفون عليها، ويؤيد ذلك ما روي عن أنس رضي الله عنه: (أن أناسًا من عرينة اجتووا المدينة [اجتووا المدينة: أي أصابهم الجوي، وهو مرض وداء الجوف إذا تطاول إذا لم يوافقهم هواؤها [النهاية، ابن الأثير، (1/381)]]، فرخص لهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة فشربوا من ألبانها وأبوالها، فقتلوا الراعي واستاقوا الذود فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم، وتركهم بالحرة يعضون الحجارة) [رواه البخاري، (1501)، ومسلم، (4445)].

وعن مالك عن زيد بن أسلم أنه قال: شرب عمر بن الخطاب لبنًا فأعجبه، فسأل الذي سقاه من أين هذا اللبن، فأخبره أنه ورد على ماء قد سماه، فإذا نعم من نعم الصدقة، وهم يسقون، فحلبوا من ألبانها، فجعلته في سقاء فهو هذا، فأدخل عمر بن الخطاب يده فاستقاء [رواه البيهقي في شعب الإيمان، (5529)، وضعفه الألباني في مشكاة المصابيح، (1836)].

(ب) الاستئناس بقول من توسع في مصرف: {في سبيل الله} وجعله شاملًا لكل وجوه الخير: من بناء الحصون وعمارة المساجد، وبناء المصانع، وغير ذلك مما فيه للمسلمين كما نقله الرازي في تفسيره عن تفسير القفال عن بعض العلماء [تفسير الرازي، (16/115)].

(73) فإذا جاز صرف الزكاة في جميع وجوه الخير، جاز صرفها في إنشاء المصانع والمشاريع ذات الريع التي تعود بالنفع على المستحقين.

(ت) الاستئناس بقول من أجاز للإمام ـ إذا اقتضت الضرورة أو الحاجة ـ إنشاء المصانع الحربية من سهم {في سبيل الله}، وأن يجعل هذه المصانع كالوقوف على مصالح المسلمين.

ويستند هذا الرأي إلى ما ذكره النووي في المجموع عن فقهاء خراسان: (إن الإمام بالخيار إن شاء سلم الفرس والسلاح والآلات إلى الغازي أو ثمن ذلك تمليكًا له؛ فيملكه وإن شاء استأجر ذلك له، وإن شاء اشترى من سهم {في سبيل الله} أفراسًا وآلات الحرب، وجعلها وقفًا في سبيل الله، ويعطيهم عند الحاجة ما يحتاجون إليه ثم يردونه إذا انقضت حاجتهم، وتختلف المصلحة في ذلك بحسب قلة المال وكثرته) [المجموع، النووي، (6/160)].

هذا بناء على قول من يرى عدم التوسع في مصرف {في سبيل الله} وقصره على الجهاد في سبيل الله، فإذا جاز إنشاء المصانع الحربية ووقفها على مصالح الجيش الإسلامي من الزكاة جاز إنشاء المؤسسات الاستثمارية من أموال الزكاة، إذا دعت الضرورة أو الحاجة ووقفها على المستحقين للزكاة.

(ث) الاستئناس بالأحاديث التي تحض على العمل والإنتاج واستثمار ما عند الإنسان من مال وجهد ومن ذلك ما روي عن أنس بن مالك قال: (أن رجلًا من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أما في بيتك شيء؟ قال: بلى حلس [الحلس: كساء يجعل على ظهر البعير تحت رحله، وهو بساط يبسط في البيت، والجمع: أحلاس، [المصباح المنير، الفيومي، (1/146)]] نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب [القعب: إناء ضخم كالقصعة، والجمع: قعاب وأقعب [المصباح المنير، الفيومي، (2/510)]] نشرب فيه الماء.

قال: ائتني بهما، فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال من يشتري هذين؟ فقال رجل: أنا آخذهما بدرهم، قال من يزيد على درهم؟ مرتين أو ثلاثًا.

فقال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري، وقال: اشتر بأحدهما طعامًا فانبذه إلى أهلك، واشتر بالأخر قدومًا فائتني به، فشد رسول الله صلى الله عليه وسلم عودًا بيده، ثم قال: اذهب فاحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يومًا، فذهب الرجل يحتطب ويبيع فجاء وقد أصاب خمسة عشر درهمًا فاشترى ببعضها ثوبًا وببعضها طعامًا.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا خير لك من أن تجيء المسالة نكتة في وجهك يوم القيامة، وإن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع [أي شديد يفضي بصاحبه إلى الدقعاء، أي التراب، [النهاية، ابن الأثير، (2/127)]]، أو لذي غرم مفظع[:أي شديد شنيع [النهاية، ابن الأثير، (3/459)]]، أو لذي دم موجع[: هو أن يتحمل دية، فيسعى فيها حتى يؤديها إلى أولياء المقتول فإن لم يؤدها قتل المتحمل عنه، فيوجعه،[النهاية، ابن الأثير، (5/157)]]) [رواه أبو داود، (1643)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود، (1398)].

فإذا جاز استثمار مال الفقير المشغول بحاجاته الأصلية جاز للإمام استثمار أموال الزكاة قبل شغلها بحاجاتهم.

(ج) القياس على استثمار المستحقين للزكاة بعد قبضها ودفعها إليهم بقصد الاستثمار كما بينا سابقًا فإذا جاز دفعها إليهم استثمارها لتأمين كفايتهم وتحقيق إغنائهم جاز استثمارها وإنشاء مشروعات صناعية أو زراعية تدر على المستحقين ريعًا دائمًا ينفق في حاجة المستحقين، ويؤمن لهم أعمالًا دائمة تتناسب مع إمكاناتهم وقدراتهم.

والاستئناس بالأحاديث التي تحض على الوقوف والصدقة الجارية، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو) [رواه مسلم، (4310)].

فالصدقة الجارية هي الدائمة المتصلة كالوقوف المرصدة، فيدوم ثوابها للمتصدق مدة دوامها، ويعمل الناظر على تنميتها واستثمارها والتصرف فيها بما يحقق مصلحة الموقوف عليهم، فإذا جاز للناظر التصرف فيها وفق مصلحة المستحقين، جاز للإمام التصرف في أموال الزكاة واستثمارها.

(ح) القياس على جواز استثمار أموال الأيتام من قبل الأوصياء بدليل قوله صلى الله عليه وسلم (ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة)[رواه البيهقي في السنن الكبرى،(7132)، وقال: إسناده صحيح، وله شواهد عن عمر رضي الله عنه].

فإذا جاز استثمار أموال الأيتام وهي مملوكة حقيقة لهم جاز استثمار أموال الزكاة قبل دفعها إلى المستحقين لتحقيق منافع لهم، فهي ليست بأشد حرمة من أموال الأيتام.

(خ) العمل بالاستحسان في هذه المسألة خلافًا للقياس، فهذه المسألة وإن كان الأصل فيها عدم الجواز إلا أن الحاجة إليها في هذا العصر ماسة نتيجة لاختلاف البلاد والعباد واختلاف الدول وأنظمة العيش، وأنماط الحياة [بحث: توظيف أموال الزكاة مع عدم التمليك للمستحق، د.الفرفور، مجلة الفقه الإسلامي، العدد الثالث، (1/319)]، ومن وجوه المصلحة في استثمار أموال الزكاة تأمين موارد مالية ثابتة لسد حاجات المستحقين المتزايدة.

ونكمل في المرة القادمة بإذن الله باقي عناصر البحث.


تكلمنا في المرة السابقة عن حكم استثمار أموال الزكاة من قبل الإمام أو من ينوب عنه، ونكمل اليوم بإذن الله مناقشة الأدلة والترجيح بينها لنصل للحكم النهائي في استثمار أموال الزكاة.

ثالثًا: مناقشة الأدلة:

1ـ مناقشة أدلة القائلين بعدم جواز الاستثمار:

أ - القول إن استثمار أموال الزكاة ينافي الفورية التي عليها الجمهور يجاب عنه، بأن الفورية تتعلق بالمالك لا بالإمام، فإذا وصلت الزكاة إلى يد الإمام أو نائبه تحققت الفورية وجاز له ـ عند جمهور العلماء ـ تأخير قسمتها، واستدلوا لذلك بما روي أنس بن مالك قال: (غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه [حنكة: أي مضغ ثمرًا وذلك حنك الصغير، يقال: حنك الصبي، وحنكه]، فوافيته في يده الميسم [الميسم: "بكسر الميم" الحديدة التي يكوى بها، وجمعه مياسم ومواسم، وأصله من السمة وهي العلامة، والوسم أثر الكيه] يسم إبل الصدقة) [متفق عليه، رواه البخاري، (1502)، ومسلم، (5680)].

فهو يدل على جواز تأخير القسمة، لأنها لو عجلت لاستغنى عن الوسم، [فتح الباري، ابن حجر، (4/109)، عمدة القاري، العيني، (9/106)، نيل الأوطار، الشوكاني، (4/177)].

كما يجوز للإمام تأخير الزكاة عند المالك لحاجة المالك نفسه أو المستحقين، فقال المالكية: (يجوز للإمام تأخير الزكاة إلى الحول الثاني، إذا أداه إليه اجتهاده؛ لأن الإمام وكيل المستحقين وهو مأمور بأن يتحرى المصلحة) [مواهب الجليل، الحطاب، (2/363)].

وقال الحنابلة: (يجوز للإمام والساعي تأخيرها عند ربها لعذر قحط أو نحوه) [المبدع، ابن مفلح، (2/400)]، وقال أبو عبيد: (وكذلك تأخيرها إذا رأى ذلك الإمام في صدقة المواشي، للأزمة تصيب الناس، فتجدب لها بلادهم، فيؤخرها عنهم إلى الخصب، ثم يقضيها منهم بالاستيفاء في العام المقبل، كالذي فعله عمر في عام الرمادة) [الأموال، أبو عبيد، ص(779)].

ب - القول إن الاستثمار يعرض أموال الزكاة للخسارة، يجاب عنه: بأن احتمال الخسارة في التجارة لا يمنع الاتجار بالأموال، لما فيه من تنمية المال وزيادته، وقد اعتبر ابن عبد السلام الاتجار من المصالح الدنيوية التي تدعو إليها الشريعة الإسلامية، حيث قسم المصالح الدنيوية إلى قسمين:

أحدهما: ناجز الحصول: كمصالح المآكل والمشارب، والملابس وحيازة المباح والاصطياد والاحتشاش والاحتطاب.

والقسم الثاني: متوقع الحصول: كالاتجار لتحصيل الأرباح، وكذلك الاتجار في أموال اليتامى لما يتوقع فيها من الأرباح [قواعد الأحكام في مصالح الأنام، العز بن عبد السلام، (1/43)].

وقد دعت الشريعة الإسلامية الولاة والحكام إلى حفظ أموال الأمة واستثمارها بما يحقق النفع للمسلمين، فجاء في كتاب الخراج: (فإذا اجتمعوا "أي أهل الخير" على أن في ذلك [رأي في حفر الأنهار] صلاحًا وزيادة في الخراج أمرت بحفر تلك الأنهار، وجعلت النفقة من بيت المال ولا تحمل النفقة على أهل البلد، وكل ما فيه مصلحة لأهل الخراج في أرضهم وأنهارهم وطلبوا إصلاح ذلك لهم أجيبوا إليه إذا لم يكن فيه ضرر على غيرهم) [الخراج، أبو يوسف، ص(110)]؛ وما ذكره أبو يوسف رحمه الله من ضرورة حفر الأنهار هو من قبيل التمثيل، لا الحصر كما يفهم من عبارته الأخيرة، "وكل ما فيه مصلحة لأهل الخراج ... أجيبوا إليه".

واستثمار الأموال يخضع ـ في هذا الوقت ـ إلى دراسات اقتصادية دقيقة قبل الإقدام على أي مشروع استثماري:

مثل دراسة فرص الاستثمار، ودراسة الجدوى الاقتصادية؛ ففي دراسة الفرص يتم تحليل إحصائيات عن الموارد المتاحة والمستخدمة، وعن طلب المستهلكين والعرض المتاح، وعن الحاجات الأساسية والمعروض منها، وعن الواردات والطلب عليها، وعن المنتجات المصنوعة ومدى الحاجة إليها، وعن رغبات التنوع، والمناخ الاستثماري العام، والتسهيلات المقدمة [الموسوعة الاقتصادية والعلمية للبنوك الإسلامية، (6/35)].

ودراسة الجدوى الاقتصادية تتنوع إلى نوعين: دراسة جدوى مبدئية، ودراسة جدوى تفصيلية؛ فدراسة الجدوى المبدئية حلقة وسط بين دراسة الفرص ودراسة الجدوى التفصيلية، فإذا ثبت من دراسة الفرص أن الفكرة طيبة وتستحق الدراسة فإنه قد يكون من المرغوب فيه القيام بدراسة مبدئية تهتم بالهيكل العام ودراسة البدائل ولا تنشغل بالتفاصيل الفنية والهندسية، فإذا تبين من هذه الدراسة أن المشروع يستحق القيام به ويحتاج إلى دراسة الجدوى التفصيلية قام بها، وهي تعتمد على بيانات تفصيلية في الجوانب الفنية والهندسية والتجارية والمالية والاقتصادية والاجتماعية، ففي الدراسة يتم تحليل أشياء كثيرة منها: الإنتاج والمنتجات، والموقع، والتكنولوجيا، والمدخلات والمخرجات، والأسعار والتسعير والمبيعات والإيرادات، والمصروفات وتكاليف الاستثمار، والتمويل وهيكل التمويل، والربحية المالية والاقتصادية والتجارية، والدراسة الحسابية للتغيرات والمخاطر وغير ذلك وكل جزئية من هذه الجزئيات يتم وضعها في إطار من التفاصيل الدقيقة التي يتم جمعها بأكبر دقة ممكنة دائمًا مع عمل الافتراضات التي بنيت عليها الدراسة مثل: الطاقة الإنتاجية والسياسية والحكومية [انظر: التمويل والاستثمار، سيد هواري، ص(81-85) بتصرف عن "Clifton & D.Fyffe Project Feasibility Analyses New York 5John Wiley, 1977"، والموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية، (6/34)].

كل هذه الدراسات تتم قبل اتخاذ قرار الاستثمار، ومن قبل أهل الاختصاص والخبرة، وهي كفيلة بتضييق دائرة احتمال الخسارة في المشروع الاستثماري، وفيما يلي بيان بالمراحل التي تمر بها صناعة قرار الاستثمار بصفة عامة، ودراسة الجدوى الاقتصادية بصفة خاصة.

(ج) وأما القول: إن استثمار أموال الزكاة يؤدي إلى إضاعتها في الأعمال الإدارية فهو مناقض لنص الآية { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ...} [التوبة:60]، فقد جعل الله تعالى للقائمين عليها سهمًا منها كما سيأتي تفصيله في تكاليف استثمار أموال الزكاة.

(د) وأما القول: إن استثمار أموال الزكاة مناف لمبدأ التمليك الذي اشترطه جمهور الفقهاء، فيجاب عنه بأن اشتراط التمليك محل نظر، فقد ذهب بعض العلماء إلى عدم اشتراطه إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ولذا أجاز كثير من العلماء صرف الزكاة بدون تمليك فردي في كثير من الصور، كصرف الزكاة في شراء العبيد وعتقهم، وصرف الزكاة لأبناء السبيل بدون تمليك فردي للمستحق.

وعلى فرض اشتراط التمليك فإن التمليك حاصل في إنشاء المشاريع الاستثمارية، وهي التمليك الجماعي للمستحقين، أو لبيت المال أو بيت الزكاة، وقد اعتبر الفقهاء بيت المال شخصية اعتبارية أو حكمية تملك وتملك [انظر: بحث"مبدأ التمليك ومدى اعتباره في صرف الزكاة"، د.محمد عثمان شبير].

(هـ) وأما القول: أن يد الإمام على الزكاة يد أمانة لا تصرف واستثمار، فيجاب عنه بأنه غير مسَلَّم، فقد أجاز الفقهاء التصرف في مال الزكاة لضرورة أو حاجة، ولذا أجاز المالكية والشافعية والحنابلة بيع الزكاة للضرورة، فقال الخرشي: (إذا قلنا بنقل الزكاة إلى البلد المحتاج واحتاجت إلى كراء يكون من الفيء ... فإن لم يكن في فيء أو كان ولا أمكن نقلها ... فإنها تباع في بلد الوجوب، ويشتري بثمنها مثلها في الموضع الذي تنقل إليها، إن كان خيرًا) [حاشية الخرشي، (2/223)].

وقال النووي: (لا يجوز للإمام والساعي بيع شيء من مال الزكاة من غير ضرورة، فإن وقعت الضرورة بأن يقف عليه بعض الماشية أو خاف هلاكه، أو كان في الطريق خطر، أو احتاج إلى رد جبران أو إلى مؤونة النقل، أو قبض بعض شاه وما أشبه جاز البيع ضرورة) [المجموع، النووي، (6/120)].

2- مناقشة أدلة القائلين بجواز الاستثمار:

أ - القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين كانوا يستثمرون أموال الزكاة من إبل وغنم وبقر يجاب عنه بأنه غير مسَلَّم؛ لأن ما حدث كان لمجرد حفظ الحيوانات لحين توزيعها على المستحقين لا للاستثمار، وما يحصل من توالد وتناسل ودر لبن فهو طبيعي غير مقصود، فلا يدل هذا الدليل على جواز إنشاء مشاريع إنتاجية طويلة الأجل، وإنما يدل على جواز استثمار أموال الزكاة في إحدى المصارف الإسلامية لحين توزعها أو توصيلها إلى المستحقين، فإن هذا الاستثمار للحفظ وتحقيق النفع للمستحقين من ريعها، فلا حرج فيه لقوله صلى الله عليه وسلم: (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل) [رواه مسلم، (5857)].

ب - وأما التوسع في مصرف (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) حتى يشمل جميع وجوه الخير فهو غير مسَلَّم ولا معتمد؛ لأنه ورد في بعض كتب التفسير لفقيه غير معروف، وهو قول مرجوح، والمختار عند الفقهاء والمحققين أن هذا المصرف يراد به الجهاد في سبيل الله، لا جميع وجوه الخير [مجمع الأنهر، شيخ زاده، (1/221)، حاشية الخرشي، (2/218)، المجموع، النووي، (6/158)، كشاف القناع، البهوتي، (2/283)، الأموال، أبو عبيد، ص(801)].

ت - وأما القول بأنه يجوز للإمام ـ إذا اقتضت الضرورة ـ إنشاء المصانع الحربية من سهم (َفِي سَبِيلِ اللَّهِ) فصحيح، ومن وجوه الضرورة خلو بيت المال عن الأموال التي تفي بذلك، لأن عبء تجهيز الجيوش الإسلامية وتسليحها يقع على عاتق بيت المال من فيء وخراج وجزية، فإذا عجز بيت المال عن تجهيز المجاهدين فلا مانع من تجهيزهم من الزكاة.

ث - وأما حديث الحلس فعام في الحث على الاستثمار والإنتاج، وليس خاصًا باستثمار أموال الزكاة.

ج - القياس على استثمار المستحقين للزكاة أجيب عنه بأنه لا يصح؛ لأن شرط التمليك متحقق في دفع الزكاة للمستحقين بقصد الاستثمار، ولا يتحقق ذلك الشرط في إنفاق الزكاة في المشاريع الاستثمارية من قبل الإمام.

ويجاب عن ذلك بما ذكرت عند مناقشة أدلة المانعين من أن شرط التمليك محل نظر، وأن التمليك الجماعي حاصل في إنشاء المشاريع الاستثمارية.

و- الاستئناس بحديث الصدقة الجارية "الوقوف" أجيب عنه بأنه لا يصح لأن من أركان الوقف أن يكون هناك واقف، وفي استثمار أموال الزكاة لا يوجد واقف، لأن أموال الزكاة قبل قبضها من قبل المستحقين ليست مملوكة لهم حقيقة حتى يقفوها، وهي ليست مملوكة للمزكين أيضًا ولا للإمام.

ويجاب عن ذلك بأن هذه الحالة ذات شبه بالوقف من بعض الوجوه، وليست مطابقة له من كل الوجوه وما دام الأمر كذلك فليست بحاجة لتوفر أركان الوقف وشروطه [بحث: "توظيف أموال الزكاة في مشاريع ريع بلا تمليك فردي للمستحق"، د.حسن عبد الله الأمين، منشور ضمن مجلة مجمع الفقه الإسلامي، عدد3، (1/367)].

ز- القياس على استثمار أموال الأيتام أجيب عنه، بأن هذا الاستثمار خاص بالأموال الزائدة عن حاجة اليتيم الأصلية بدليل وجوب الزكاة فيها: (حتى لا تأكلها الصدقة)، أما أموال الزكاة فلا تزيد عن حاجات المستحقين في الغالب، وإذا زادت في قطر تنقل إلى قطر آخر.

كما قال الجويني: (وأما الزكوات: إن انتهى مستحقوها إلى مقاربة الاستقلال واكتفوا بما نالوه منها فلا سبيل إلى رد فاضل الزكوات عليهم، فإن أسباب استحقاقهم ما اتصفوا به من حاجاتهم، فإذا زالت أسباب الاستحقاق وزال الاستحقاق بزوالها، فالفاضل عند هذا القائل: إن تصور استغناء مستحقي الزكاة في قطر أو ناحية منقول إلى مستحقي الزكاة في ناحية أخرى، وإن بالغ مصور في تصوير شغور الخطة عن مستحقي الزكاة في ناحية أخرى، فهذا أخرق للعوائد وتصوره عسر؛ ولكن العلماء ربما يفرضون صورًا بعيدة وغرضهم بفرضها وتقديرها تمهيد حقائق المعاني؛ فإن احتملنا تصور ذلك [أي زيادة أموال الزكاة عن المستحقين] فالفاضل من الزكوات عن هؤلاء مردود إلى سهم المصالح العامة) [غياث الأمم في اجتياث الظلم، الجويني، ص(183-184)].

فالجويني يستبعد زيادة أموال الزكاة عن حاجات المستحقين في زمنه ويعتبره خارقًا للعادة، فكيف بزماننا الذي شح فيه كثير من الأغنياء عن إخراج ما وجب عليهم من زكاة، فلا يصح قياس استثمار أموال الزكاة المشغولة بحاجات المستحقين على استثمار أموال الأيتام الزائدة عن حاجاتهم.

ح - العمل بالاستحسان أو بما هو خلاف الأصل للحاجة أو الضرورة ينبغي أن يقيد بضوابط وقيود تحمي أموال الزكاة من الضياع كما سيأتي في القول المختار.

رابعًا: الرأي المختار:

بعد عرض آراء العلماء وأدلتهم ومناقشتها يتبين لي ما يلي:

1- الأصل في أموال الزكاة التي وصلت إلى يد الإمام، أو من ينوب عنه من السعاة أو المؤسسات الزكوية تعجيل تقسيمها بين المستحقين، ولا يجوز تأخيرها.

2- لكن إذا دعت الضرورة أو الحاجة إلى تأخير تقسيمها فلا بأس، وتحفظ حينئذ بالطريقة التي يراها الإمام أو من ينوب عنه، بحيث تؤدي تلك الطريقة إلى عدم ضياعها، وتحقيق المنافع للمستحقين: كحفظها في مصارف إسلامية على شكل ودائع استثمارية لحين الطلب.

3- ويستثنى من الأصل السابق أيضًا جواز تأخيرها للاستثمار، إذا دعت الضرورة أو الحاجة: كتأمين موارد مالية ثابتة للمستحقين، وتوفير فرص عمل للعاطلين عن العمل من المستحقين؛ فيجوز استثمارها في مشاريع إنتاجية.

ويؤيد ذلك ما يلي:

أ - ما صمد من أدلة القائلين بجواز الاستثمار أمام المناقشة كالقياس على جواز استثمار المستحقين للزكاة بعد قبضها، ودفعها إليهم بقصد الاستثمار وجواز إنشاء المصانع الحربية من الزكاة للضرورة، والحاجة إلى الاستثمار.

ب - القياس على وقف الأرض المفتوحة عنوة بقصد استثمارها وتأمين مورد ثابت للدولة الإسلامية، فقد رأى عمر رضي الله عنه عدم تقسيم أراضي العراق ومصر والشام بين الفاتحين وتركها في أيدي أهلها من أهل الذمة يزرعونها بخراج معلوم، وقال في أهلها: (يكونون عمَّار الأرض، فهم أعلم بها، وأقوى عليها) [الخراج، أبو يوسف، ص(141)].

ثم قال: (فكيف بمن يأتي من المسلمين، فيجدون الأرض بعلوجها قد اقتسمت، وورثت عن الآباء، وحيزت ما هذا برأي) [الخراج، أبو يوسف، ص(24)].

فإذا جاز للإمام وقف الأراضي المفتوحة عنوة لمصلحة جميع المسلمين للحاجة، جاز له استثمار أموال الزكاة في مشاريع إنتاجية، ووقفًا على المستحقين للحاجة.

ت - الاستئناس بحديث أصحاب الغار فقد روي البخاري وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خرج ثلاثة يمشون فأصابهم المطر، فدخلوا في غار في جبل فانحطت عليهم صخرة، قال: فقال بعضهم لبعض: ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه.

فقال الثالث: اللهم إني كنت استأجرت أجيرًا بفرق من ذرة فأعطيته وأبى ذلك أن يأخذ، فعمدت إلى ذلك الفرق فزرعته حتى اشتريت منه بقرًا وراعيها ثم جاء، فقال يا عبد الله أعطني حقي، فقلت: انطلق إلى تلك البقر وراعيها فإنها لك، فقال أتستهزئ بي؟ قال فقلت ما أستهزئ بك، ولكنها لك، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا، فكشف عنهم) [متفق عليه، رواه البخاري، (2215)، ومسلم، (7125)، وأحمد في مسنده، (6116)].

و في رواية (بفرق أرز) والفرق مكيال معروف بالمدينة؛ وفي هذا الحديث دليل على جواز استثمار مال الغير بغير إذن مالكه، إذا أجازه المالك بعد ذلك [عمدة القاري، العيني، (12/26)، شرح النووي على صحيح مسلم، (17/58)].

هذا إذا كان المتصرف ليس له حق النظر والتصرف في المال، أما إذا كان له حق التصرف والنظر في المال كالإمام بالنسبة لأموال الزكاة، جاز التصرف دون الحاجة إلى إجازة الفقراء [عمدة القاري، العيني، (12/26)، شرح النووي على صحيح مسلم، (17/58)].

ث - الاستئناس بحديث عروة البارقي أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أعطاه دينارًا يشتري أضحية أو شاة، فاشترى شاتين، فباع إحداهما بدينار فأتاه بشاة ودينار، فدعا له بالبركة في بيعه فكان لو اشترى ترابًا لربح فيه) [رواه البخاري، (3642)].

وفي رواية عن حكيم بن حزام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: بعث معه بدينار يشتري له أضحية، فاشتراها بدينار وباعها بدينارين، فرجع فاشترى له أضحية بدينار، وجاء بدينار إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فتصدق به النبي صلى الله عليه وسلم، ودعا له أن يبارك في تجارته[رواه أبو داود، (3388)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود، (733)، قال المنذري والنووي: إسناده حسن صحيح وفيه كلام كثير، وقال ابن حجر: الصواب أنه متصل في إسناده مبهم].

في الحديث دلالة على أن عروة اتجر فيما لم يوكل بالاتجار به وكذلك حكيم بن حزام فهو يدل على جواز استثمار مال الغير بغير إذن مالكه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهما على ذلك، ودعا لكل واحد منهما بالبركة في بيعه، ففي دعائه لهما بالبركة دليل على أنه فعل مستحسن ومستحب، وبخاصة إذا كان يحقق الخير لصاحب المال [سبل السلام، الصنعاني، (3/31)، فتح العلام لشرح بلوغ المرام، صديق حسن خان، (2/24)، معالم السنن، الخطابي، (3/90)].

فإذا جاز استثمار المال الخاص بدون إذن صاحبه جاز للإمام أو نائبه استثمار المال العام بدون إذن من له نصيب في هذا المال؛ لأن الإمام له حق النظر والتصرف بالمال بما يحقق المصلحة للمستحقين، ويدفع الضرر عنهم كولي اليتيم والناظر على الوقف، ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة مال اليتيم) [الطبقات الكبرى، ابن سعد، (3/276)].

وقال الإمام مالك: (الأمر عندنا في قسم الصدقات أن ذلك لا يكون إلا على وجه الاجتهاد من الوالي، فأي الأصناف كانت فيه الحاجة والعدد أوثر ذلك الصنف بقدر ما يرى الوالي) [تنوير الحوالك شرح موطأ مالك، السيوطي، (1/257)].
وقال أبو عبيد: (الإمام مخير في الصدقة في التفريق فيهم جميعًا، وفي أن يخص بها بعضهم دون بعض إذا كان ذلك على وجه الاجتهاد، ومجانبة الهوى والميل عن الحق وكذلك من سوى الإمام، بل لغيره أوسع إن شاء الله) [الأموال، أبو عبيد، ص(767)].
وقال ابن حجر: (للإمام أن يخص بمنفعة مال الزكاة دون الرقبة صنفًا دون صنف بحسب الاحتياج) [فتح الباري، ابن حجر، (4/109)]، وقد بينت عند مناقشة الأدلة أن للإمام حق التصرف في أموال الزكاة بالبيع للحاجة، فيجوز استثمارها إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك … والله أعلم.

4- ضوابط استثمار أموال الزكاة من قبل الإمام أو من ينوب عنه:

إذا قلنا بجواز استثمار أموال الزكاة من قبل الإمام أو من ينوب عنه فلابد من مراعاة الضوابط التالية:

أ - أن لا توجد وجوه صرف عاجلة لتلك الأموال: كسد الحاجات الضرورية للمستحقين من الحاجة إلى الطعام أو الكساء أو السكن، فإن وجدت تلك الحاجات العاجلة، فلا يجوز تأخير صرف الزكاة فيها بحجة الاستثمار، وإذا كانت أموال الزكاة على شكل أصول ثابتة: كالمصانع والعقارات فيجب بيعها وصرف أثمانها في تلك الوجوه.

ب - أن يتحقق من استثمار أموال الزكاة مصلحة حقيقية راجحة للمستحقين: كتأمين مورد دائم يحقق الحياة الكريمة لهم.

ت - أن تكون مجالات الاستثمار مشروعة: كالتجارة والصناعة والزراعة، ولذا فلا يجوز استثمار أموال الزكاة في مجال من المجالات المحرمة: كالربا والاتجار بالمحرمات وغير ذلك.

ث - أن تتخذ كافة الإجراءات التي تضمن بقاء تلك الأموال على أصل حكم الزكاة، بحيث لا يصرف ريعها إلا للمستحقين ولو احتيج إلى بيع الأصول الثابتة في المستقبل ترد أثمانها إلى مصارف الزكاة.

ج - أن يسبق قرار الاستثمار دراسات دقيقة من أهل الخبرة تتعلق بالجدوى الاقتصادية للمشروع الاستثماري، فإذا غلب على الظن تحقق الأرباح من ذلك المشروع باشر من في إنشائه.

ح - أن يسند أمر الإشراف والإدارة إلى ذوي الكفاءة والخبرة والأمانة.

خ - أن يعتمد قرار الاستثمار ممن له ولاية عامة كالإمام أو القاضي، أو أهل الحل والعقد.

المصدر: بحث بعنوان: حكم استثمار أموال الزكاة، للدكتور: محمد عثمان شبير، قُدِّم للهيئة الشرعية العالمية للزكاة ضمن موضوعات الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة.

نقله لكم أبو ياسر التيميموني
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://dahiatimi.ahlamontada.com
 
حكم استثمار أموال الزكاة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
hada hoda :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: